ابن حمدون

191

التذكرة الحمدونية

رضيّ الأفعال حليما ركينا ، حتى لو ادّعى اجتماع مكارم الأخلاق فيه لكان أهلا للدعوى ؛ وسخط الرشيد على كاتبه منصور بن زياد ، وأمر أن يطالب بعشرة آلاف ألف درهم ، أو يؤتى برأسه ، وأمر صالحا صاحب المصلَّى بذلك ، قال صالح : فاستسلم للقتل وحلف أنه لا يعرف موضع ثلاثمائة ألف درهم فكيف بعشرة آلاف ألف ، ثم دخل إلى داره فأوصى وارتفع الصراخ منها ، وخرج فقال لي : امض بنا إلى أبي عليّ يحيى بن خالد لعل اللَّه أن يأتينا بفرج من جهته ، فلما قصّ القصة على يحيى قلق وأطرق مفكرا ثم قال لخازنه : كم عندك من المال ؟ قال : خمسة آلاف ألف ، فقال : أحضرني مفاتيحها ، فأحضرها ، ثم وجه إلى ابنه الفضل : إنك كنت أعلمتني أن عندك ألفي ألف درهم ، قدّرت أن تشتري بها ضيعة ، وقد أصبت لك ضيعة يبقى لك ذكرها وشكرها ، فوجّه إليه بالمال ، ثم وجه إلى جعفر ابنه فاستدعى منه ألف ألف درهم ، ثم أرسل إلى دنانير جاريته فاستدعى منها عقدا كان وهبه الرشيد لها وابتاعه بمائة ألف وعشرين ألف دينار ، قال صالح : وكان كعظم الذراع ، وقال يحيى : قد حسبناه [ 1 ] بألفي ألف درهم ، وهذا تمام مالك فانصرف وخلّ عن [ 2 ] صاحبنا ، قال صالح : فأخذت ذلك ورددت منصورا معي فلما صرنا بالباب أنشد منصور متمثلا ( والشعر للعين المنقري ) [ 3 ] : [ من الوافر ] فما بقيا عليّ تركتماني ولكن خفتما صرد النبال قال صالح : فقلت ما على الأرض أنبل من رجل خرجنا من عنده ولا